ابن حزم

953

الاحكام

وأما الحقيقة فإن هاتين الآيتين تبطلان القياس إبطالا صحيحا ، لان الله تعالى مثل الحور العين بالياقوت والمرجان ، ومثل أعمال الكفار بزرع أصابته ريح فيها صر . ولم يكن تشبيه الحور بالياقوت والمرجان يوجب للياقوت والمرجان الحكم أحكام الحور العين ، ولا للحور العين الحكم بأحكام الياقوت والمرجان ، ولا كان شبه عمل الكفار بالزرع الذاهب يوجب للزرع الحكم بأحكام أعمال الكفار ، من اللعين والبراءة والوعيد ، ولا لأعمال الكفار بأحكام الزرع من الانتفاع بتبنه في علف الدواب وغير ذلك . فصح أن تشابه الأشياء لا يوجب لها التساوي في أحكام الديانة ، ولا شئ أقوى شبها من شيئين شبه الله عز وجل بعضها ببعض ، فإذا كان الشبه الذي أخبرنا الله تعالى به لا يوجب لذينك المتشابهين حكما واحدا فيما لم ينص فيه ، فبالضرورة تعلم أن الشبه المكذوب المفترى من دعاوى أصحاب القياس أبعد عن أن يوجب لما شبهوا بينهما حكما واحدا ، وبالله تعالى التوفيق . واحتجوا بقول الله تعالى : * ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ئ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ئ الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ئ أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) * . قال أبو محمد : وهذا من عجائبهم وطوامهم ، ليت شعري ما في هذه مما يوجب القياس أو أن يحكم في ألا يكون الصدق أقل مما يقطع فيه اليد ، وأن يرجم اللوطي كما يرجم الزاني المحصن ؟ ولكاد احتجاجهم بهذه الآية أن يخرجهم إلى الكفر ، لأنه تعالى لم يوجب أنه يعيد العظام من أجل أنه أنشأها أول مرة ، ولا أخبر تعالى أن إنشاءه لها أول مرة يوجب أن يعيدها ، ومن ظن هذا فقد افترى . ومع ذلك فلو كان إنشاء الله تعالى للعظام ، أولا يوجب أن يحييها ثانية ، لوجب ضرورة إذا أفناها أيضا بعد أن أنشأها أولا أن يفنيها ثانية بعد أن أنشأها ثانية ، وهذا ما لا يقولونه ، ولا يقول به أحد من المسلمين إلا جهم بن صفوان وحده . ولو كان ذلك أيضا لوجب أن يعيدهم إلى الدنيا ثانية كما ابتدأهم ونشأهم فيها